في ذلك الصباح ذهبت متأخرة إلى العمل ، لأسباب أعلم جيدا أنها لن تقنع مديري ، ماذا أصنع ؟
فكرت كثيرا في داخلي وقلت بالطبع سأعتذر ثم أقول الأسباب ، لا ، بل سأقول الأسباب ثم أعتذر ..
وهكذا تضاربت الأفكار المتضادة في عقلي ، وفي تلك الأثناء كنت أفكر وأنا سائرة بجوار حديقة كبيرة تدب أوصالها في المدينة منذ سنوات كثيرة ، ويخرج من بين أسوارها الورد ليطل على المارة ويبشرهم بالخير ، عن طريق ألوانه ورائحته الزاهية ، قطفت وردة بيضاء ، لم تكن كبيرة ولا متوسطة ، بل صغيرة ، وحملتها أشتم رائحتها الذكية ، فقد كانت من نوع الياسمين الجميل .
أذهبت رائحتها بعض الخوف من داخلي ، جعلتني أثق في أسبابي وأقول في داخلي : سبب استيقاظي المتأخر رغما عني سيقبله المدير حتما ، ونومي متأخراً ليلة أمس نتيجة مرض صديقتي الوفية أيضاً سيقبله مديري حتماً ، وهكذا صارت الأمور تتصاعد نحو التفاؤل وفي الخط التصاعدي لا التنازلي أبداً .
دلفت إلى العمل ، وأنا واثقة بدرجة كبيرة مما سأفعل ، بل تخطيت مرحلة مقابلة مديري وقمت بتأجيلها بعض الدقائق ، وذهبت إلى القسم الذي أعمل به أولا لألقي تحية الصباح في هدوء على الزملاء الذين ملأت أعينهم شعاعات الدهشة لكوني متأخرة وأسبح في ذلك الهدوء العميق .
وذهبت إلى المدير غير خائفة ، وما زالت الوردة البيضاء معي لم تفارقني ، أشتم رائحتها التي لا تنتهي ، وأرتشف منها التفاؤل الجميل ، وإلى غرفة المدير دلفت ، كان التأخير عن آخره ، دخلت في ثقة إليه مبتسمة ، وقلت : صباح الخير يا سيدي .
لم يرد فقد كان منشغلا حتى النهاية بأوراق أمامه يرتدي لها نظارة القراءة التي يعلم كل العاملين في المستشفى ، أنه عندما يرتديها يجب أن لا يتحدث معه أحد وكأنها علامة تقول لا للإزعاج من فضلك .
قفزت إلى عقلي الفكرة الأخيرة ، لماذا لا أعطيه الوردة ، لعل رائحتها تجعله يتفاءل هو الآخر ، ويحدث ما أريد ! ووسط زحام الأوراق أمامه ، وضعتها أمام عينيه تحت نظارة القراءة ، بسنتمترات كي يراها .
نظر إلى ذلك الكائن الغريب كأنه يراه لأول مرة ، أو بالأحرى لم يعطه طبيب من قبل ولا أحد ذلك الشيء، أو لم تدلف وردة طبيعية من قبل إلى مكتبه العملي جداً الذي لا يعترف إلا بالجدية المحمودة والحزم .
نظر إلى الوردة ، ونظر إليّ ، اشتم رائحتها الفواحة وأخذ نفسا عميقا منها ، وارتخى على المقعد وقال : ما أجملها ، نظر إليّ ، أفاق من عالم الوردة البيضاء ليجدني أمامه مبتسمة ، وانتظرت ماذا سيقول ، هل أم هل ؟
ولم يتحدث بعد ، وضع الوردة بعناية في كوب أمامه ، وقال: ما أجمل أن تأتي وردة وسط الأوراق والعمل ، شكرا جزيلا ، وانصرم اليوم بهدوء بسبب الوردة البيضاء ، ومن وقتها لم ينسها لي مديري ، ليذكرني كل صباح ويقول : أين الوردة ؟ ويحكي للزملاء عما فعلته تلك الوردة به وهو منغمس في العمل المكثف .
ومنذ ذلك اليوم أعطيت الورد لأصدقائي ، لعائلتي ، لزملاء العمل ، لكل من أريد زيادة المودة والعلاقات الإنسانية السامية بيني وبينهم ، وكأنهم ينتظرون بعض التغيير وسط ضغط الحياة الذي لا يتوقف ، وهم يسيرون في دائرة من صباح لمساء ومن مساء لصباح ، في روتين لا يتغير يوميا ، أستطاع ذلك الورد أن يفعل ما لك يستطع البشر فعله ، كائنات صغيرة ملونة ، خلقها الله لتعطينا البهجة والسعادة ، إذا فهمنا معناها ، فهي تنظر إلينا وتقول شيئا لا نعرفه ، واليوم عرفته جيداً وهكذا سارت الحياة وردية ...
عندما أعطيت الورد لمن حولي .
د. أسماء الطناني
ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك
المواضيع المتشابهه: